السيد كمال الحيدري
353
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
والقرآن وإن لم يشتمل من هذا الحكم على أمر صريح لكنه يبوح بالوعد بيوم للمؤمنين على أعدائهم لا يتمّ أمره إلا بانجاز الأمر بهذه المرتبة من القتال وهو القتال لإقامة الإخلاص في التوحيد ؛ قال تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ ( الصف : 9 ) ، وأظهر منه قوله تعالى : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ( الأنبياء : 105 ) ، وأصرح منه قوله تعالى : وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً . . . ( النور : 55 ) ) « 1 » . الجهاد الابتدائي دفاعي عن حقٍّ فطريّ وبذلك نخلص إلى مرجعية الجهاد الابتدائي للدفاعي من جهة ، ومن جهة أُخرى : أنَّ الجهاد الابتدائي لا يعني إكراه الناس على الدين ، وإنما هو في أصله رفع الممانعة الطاغوتية من وصول الحقّ الفطري للناس كافّة ، فهو جهاد دفاعي عن الحقِّ الإنساني الفطري في التوحيد والدين القويم ، وقد عُبِّر عن هذا الحقّ الفطري بالدين تارة ، كما في آيات القتال والجهاد ، وبالتوحيد تارة أُخرى ، كما جاء في ذيل الآية الآنفة الذكر : ( . . . يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً . . . ) ، وبالفطرة التي لا تبديل لها تارة أُخرى ، كما في : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( الروم : 30 ) ، فتكون المحصّلة ثبوت الجهاد ونفي الإكراه في الدين ، ولا تنافي بينهما البتّة على مستوى التحقيق « 2 » .
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، المصدر السابق : ج 2 ، ص 66 - 67 . ( 2 ) ولا يفوتني الإشادة بعظمة السيد العلامة الطباطبائي قدس سره الشريف على هذه / / الالتفاتة العظيمة والدقيقة ، والتي لا تجد لها أثراً ولا عيناً في جميع المصنَّفات التفسيرية السابقة عليه ، هذه التفاسير التي غلب عليها تفاسير معاني الكلمات ( التفسير المفرداتي ) ، كما لا يفوتني أيضاً الإشادة بجودة التنظيم والترتيب لهذه المطالب الدقيقة الحقّة من قِبل سيّدنا الأُستاذ آية الله المُحقِّق كمال الحيدري ( دام ظله ) . .